ماذا ينقصنا؟
النقص الأول: الإخلاص
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله…أيها الإخوة! سلام الله عليكم ورحمته وبركاته، عنوان درسنا إن شاء الله “ماذا ينقصنا؟” ولقد تأملت في النواقص التي تنقصنا نحن المسلمين، وفكرت في هذا العنوان، فرأيت أن الذي ينقصنا من كثرته لا يحصى، وأنه لعل الأجدى أن نفكر فيما يوجد عندنا، فهو أسهل في الحصر، وأما ما ينقص، فيصعب حصره من كثرته، ولكن من باب المحاسبة لأنفسنا؛ تعالوا نفكر في شيء مما ينقصنا؛ لنحاول الاستدراك وتحصيل بعض المطلوب، وقد قال الله تعالى: اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ [الحشر:18] ماذا ينقصنا؟ أول ما يخطر في البال مما ينقصنا تحقيق الإخلاص لله عز وجل، الإخلاص مسألة المسائل وأصل الأصول، الإخلاص الذي إذا حصله الإنسان المسلم؛ صلح حاله في كل شيء.
أقوال السلف في الإخلاص:قال الشيخ ابن سعدي رحمه الله: يتعين على أهل العلم من المتعلمين والمعلمين، أن يجعلوا أساس أمرهم الذي يبنون عليه حركاتهم وسكناتهم الإخلاص التام، والتقرب إلى الله تعالى بهذه العبادة التي هي أجل العبادات وأكملها وأنفعها وأعمها نفعاً، ويتفقد هذا الأصل النافع في كل دقيق وجليل من أمورهم، فإن درسوا، أو دارسوا، أو بحثوا، أو ناظروا، أو أسمعوا، أو استمعوا، أو كتبوا، أو حفظوا، أو كرروا دروسهم الخاصة، أو راجعوا عليها أو على غيرها الكتب الأخرى، أو جلسوا مجلس علم، أو نقلوا أقدامهم في مجالس العلم، أو اشتروا كتباً، أو ما يعين على العلم، كان الإخلاص لله واحتساب أجره وثوابه ملازماً لهم؛ ليصير اشتغالهم كله قوةً وطاعةً، وسيراً إلى الله وإلى كرامته، وليتحققوا بقوله صلى الله عليه وسلم: (من سلك طريقاً يلتمس فيه علماً، سهل الله له طريقاً إلى الجنة) أخرجه مسلم ؛ فكل طريق حسيٍ أو معنويٍ يسلكه أهل العلم يعين على العلم أو يحصله؛ فإنه داخل في هذا. وقال البخاري رحمه الله تعالى: باب خوف المؤمن من أن يحبط عمله وهو لا يشعر، وقال إبراهيم التيمي : ما عرضت قولي على عملي إلا خشيت أن أكون مكذباً، وقال ابن أبي مليكة: [أدركت ثلاثين من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم كلهم يخاف النفاق على نفسه، ما منهم أحد يقول إنه على إيمان جبريل وميكائيل] ويُذكر عن الحسن: [ما خافه إلا مؤمن، ولا أمنه إلا منافق]. ما خاف عذاب الله إلا مؤمن، ولا أمن عذاب الله إلا منافق، هذا بعض ما ورد عن السلف مما يدفعنا إلى الحرص على الإخلاص، ومجاهدة النفس في سبيل الوصول إليه.
الطريق إلى الإخلاص:وهنا يأتي السؤال المهم: ما الطريق إلى الإخلاص؟ كيف نحصل الإخلاص؟ هذا السؤال يجيبنا عليه العلامة ابن القيم رحمه الله، فيقول: لا يجتمع الإخلاص في القلب ومحبة المدح والثناء والطمع فيما عند الناس إلا كما يجتمع الماء والنار، الضب والحوت -فالضب يسكن في الصحراء والحوت يكون في الماء- فإذا حدثتك نفسك بطلب الإخلاص، فأقبل على الطمع أولاً، فاذبحه بسكين اليأس، عليك بالإياس مما في أيدي الناس، ولا ترجو على عملك الصالح شيئاً دنيوياً، اقطع الطمع من الدنيا بسكين اليأس، وأقبل على المدح والثناء، فازهد فيهما زهد عشاق الدنيا في الآخرة، فإذا استقام لك ذبح الطمع والزهد في الثناء والمدح؛ سهل عليك الإخلاص، فإن قلت: وما الذي يسهل عليَّ ذبح الطمع والزهد في الثناء والمدح؟ قلت: أما ذبح الطمع فيسهله عليك علمك يقيناً أنه ليس من شيء يُطمع فيه إلا وهو بيد الله وحده، لا يملكه غيره، ولا يؤتي العبد منها شيئاً، ولا يؤتي العبد منها إلا ما أراد. وأما الزهد في الثناء والمدح، فيسهله عليك علمك أنه ليس أحدٌ ينفع مدحه ويضر ذمه إلا الله وحده. كما ذكر ذلك الأعرابي للنبي عليه الصلاة والسلام: إن مدحي زينٌ، وإن ذمي شينٌ، فقال: (ذلك الله عز وجل، الذي مدحه زين، وذمه شين). إذا مدح الله عز وجل أحداً، كان زيناً، وإذا ذم أحداً؛ كان شيناً على هذا المذموم. فازهد في مدح من لا يزينك مدحه، وفي ذم من لا يشينك ذمه، وارغب في مدح من كل الزين في مدحه، وكل الشين في ذمه، ولن يقدر على ذلك إلا بالصبر واليقين، فمتى فقدت الصبر واليقين؛ كنت كمن أراد السفر في البحر بغير مركب، قال تعالى: فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لا يُوقِنُونَ [الروم:60] وقال تعالى: وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآياتِنَا يُوقِنُونَ [السجدة:24].
علامات الإخلاص:
ما هي العلامات التي يعرف بها العبد أنه مخلص؟ إذا كان يراقب الله في أعماله، ويحتسب الأجر في أفعاله وأقواله، ويعمل بعلمه، وينصر سنة نبيه صلى الله عليه وسلم، ويقمع البدعة، ويحلي باطنه، ويزكي نفسه، ويحس بقربه من الله، وأن قلبه منير، فعند ذلك هو إذاً من المخلصين. كان الصالحون يدخرون أعمالاً معينة عظيمة لآخرتهم، يقول ابن كثير رحمه الله عن السلطان عيسى بن العادل أبي بكر بن أيوب ملك دمشق و الشام، يقول: لما توفي أبوه كان شجاعاً باسلاً عالماً فاضلاً، هذا الرجل تولى بعد أبيه، وكان شجاعاً باسلاً عالماً فاضلاً، اشتغل بالفقه على مذهب أبي حنيفة، وفي اللغة والنحو على التاج الكندي، وكان قد أمر أن يُجمع له كتاب في اللغة يشمل الصحاح للجوهري والجمهرة لـابن جريج والتهذيب للأزهري، وأمر أن يرتب له مسند الإمام أحمد، وكان يحب العلماء ويكرمهم ويجتهد في متابعة الخير، ويقول: أنا على عقيدة الطحاوي، وأوصى عند وفاته ألا يكفن إلا في البياض، وأن يلحد له، ولا يبنى عليه، وكان يقول: واقعة دمياط أدخرها عند الله تعالى، وأرجو أن يرحمني بها، يعني: أنه أبلى بها بلاءً حسناً رحمه الله تعالى، وقد جُمع له بين الشجاعة والبراعة والعلم ومحبة أهله. فالإنسان وكل واحد منا يحاول أن يعمل أعمالاً صالحةً يدخرها عند الله، هذه لآخرتي، هذه ليوم العطش الأكبر، هذه ليوم الخوف الأعظم، يعمل الصالحات ويدخرها للآخرة، اعمل وخبئ وادخر لذلك اليوم.
وصلى الله على نبينا محمد
وترقبوا الموضوع القادم من هذه السلسة…
محبكم
::: شموخ في زمن الإنكسار :::
