بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين أمابعد:

فهذا الموضوع الرابع من سلسة ماذا ينقصنا؟

النقص الرابع

:::الثـبـات:::

 

وينقصنا فيما ينقصنا الثبات، لأن الإنسان قد يهتدي من داعية، وقد يهتدي من شريط يسمعه، أو محاضرة، وقد يهتدي من موت قريب، أو من منامٍ يراه، أو من مرض يمرض به، أو من حادث أو يرى الموت بعينه، ويقول: نجوت الآن وفي المرة القادمة لعلي لا أنجو، فيهتدي، لكن يحتاج إلى الثبات على الهداية. ولذلك نقول: اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ [الفاتحة:6] ونكررها في الصلاة مراراً، زدنا هداية وثبتنا على الصراط المستقيم، ومعنى التكرار هنا طلب المزيد وطلب الثبات والدوام، والثبات مهم؛ لأن وضع المجتمعات الحالية التي يعيش فيها المسلمون، وفيها من أنواع الفتن والمغريات التي نكتوي بنارها يومياً، وشبهات وشهوات تبث بسببها صار الدين غريباً، وانطبق المثل العجيب: القابض على الدين كالقابض على الجمر. الثبات في زماننا هذا:وحاجتنا اليوم إلى الثبات على الدين أشد من حاجة الناس المسلمين في العصور الأولى، لما كان المجتمع نظيفاً، وكانت الدنيا عامرة بذكر الله، ويندر أن ترى منكراً عامراً في الشوارع لقلة من يرتكب المنكر وكثرة من يُنكر، فلما انعكست الأمور في ندرة الإخوان وضعف المعين، وقلة الناصر، وفساد الزمان، صرنا نرى كثرة حوادث ردة وانتكاس ونكوص على الأعقاب حتى من بعض الذين كانوا ممن يشار إليهم، مما يحمل المسلم على الخوف من أمثال تلك المصائر، ويتلمس الثبات. فالثبات مسألة متعلقة بالقلب، وإنما سمي القلب من تقلبه، إنما مثل القلب كمثل ريشة تقلبها الريح ظهراً لبطن وبطناً لظهر، ولذلك النبي عليه الصلاة والسلام كان كثيراً ما يدعو: (يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك، يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك) الداعي هو الرسول صلى الله عليه وسلم أشد الأمة إيماناً وثباتاً على الدين، فما بالنا نحن؟!! من أسباب الثبات:ثم إن الثبات هذا له أسباب منها: أناس يوفقهم الله أن يكونوا عناصر مثبتة لغيرهم، خذوا هذا المثل من أهل جواثى من أهل الأحساء ، لما أرسل النبي عليه الصلاة والسلام العلاء بن الحضرمي إلى المنذر بن ساوى العبدي ، فأسلم وأسلم على يديه قومه، وأقام فيهم الإسلام والعدل، وبعد وفاة النبي عليه الصلاة والسلام تُوفي المنذر بعده بقليل، فلما مات المنذر، ارتد أهل البحرين، وقال قائلهم: لو كان محمد نبياً، ما مات، ولم يبق بـالأحساء كلها على الثبات -هذا كلام ابن كثير - ولم يبق منها بلدة على الثبات سوى قرية يقال لها جواثى، وكانت أول قرية أقامت الجمعة ونجت من أهل الردة، كما ثبت ذلك في البخاري عن ابن عباس. أهل جواثى حاصرهم المرتدون، وضيقوا عليهم حتى منعوا عنهم الأقوات، فجاعوا جوعاً شديداً حتى فرج الله عنهم، وقال رجلٌ منهم، من أهل جواثى المسلمين الثابتين المحاصرين، وقد اشتد عليه الجوع: ألا أبلغ أبا بكرٍ رسولاً وفتيـان المديـنة أجمـعينـافهل لكمُ إلى قومٍ كـرامٍ قعودٌ في جواثى محصـريـناكأن دماءهم في كل فجٍ شُعاع الشمس يعشي الناظريناتوكلنا على الرحمن إنا وجدنا الصـبر للمتـوكليـنا

ما لنا إلا الصبر، والقتل فينا والجوع والحصار، يقول ابن كثير رحمه الله: وقد قام فيهم رجلٌ من أشرافهم وهو الجارود بن المعلى ، وكان ممن هاجروا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم خطيباً وقد جمعهم، فقال: يا معشر عبد القيس إني سائلكم عن أمرٍ، فأخبروني إن علمتموه، ولا تجيبوني إن لم تعلموه، فقالوا: سل، قال: أتعلمون أنه كان لله أنبياء قبل محمد؟ -صلى الله عليه وسلم- قالوا: نعم، هناك أنبياء قبل محمد، قال: تعلمونهم، أو رأيتموهم؟ الشيء هذا علمتموه، أو رأيتم الأنبياء؟ قالوا: نعلمهم علماً، قال: فما فعلوا؟ قالوا: ماتوا، قال: فإن محمداً صلى الله عليه وسلم مات كما ماتوا، وإني أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، فقالوا: ونحن أيضاً نشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وأنت أفضلنا وسيدنا، وثبتوا على إسلامهم، وتركوا بقية الناس فيما هم فيه، وبعث الصديق رضي الله عنه وأرضاه العلاء بن الحضرمي، وحصل بعد ذلك ما حصل من رجوع الناس إلى الإسلام. إذاً في موقف الشدة، أحدهم ينقذ الموقف، ويثبت الناس، قال هؤلاء: لو كان محمدٌ نبياً ما مات، فقام وقال هذه الكلمة، فثبت الله به الناس.

* وترقبوا العدد القادم من هذه السلسة…

محبكم

::: شموخ في زمن الإنكسار :::