بسم الله والصلاة والسلام على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين. أما بعد:

أخوتي في الله كما وعتكم أن أنزل الموضوع الثاني من سلسلة ماذا ينقصنا؟

النقص الثاني: القدوات

أي شيء ينقصنا أيضاً بعد الإخلاص؟ ينقصنا -أيها الإخوة- القدوات، نحن في قحط في القدوات إلا من رحم الله فوفقه للقدوات: إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً [النحل:120] يؤتم به، قال الله تعالى: وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَاماً [الفرقان:74]. ما طلبوا ذلك للشهرة، وإنما طلبوه ليحصل لهم أجر الاقتداء، لماذا يريدون أن يكونوا أئمة يُقتدى بهم؟ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَاماً [الفرقان:74]؟ لكي يحصل لهم الأجر بالاقتداء: (من دل على هدى، كان له من الأجور مثل أجر من تبعه).

أهمية القدوة:وموقع القدوة خطيرٌ ومهمٌ، ولذلك فإن الإنسان إذا صار يُقتدى به؛ لا بد أن يلاحظ أعماله، ويحاسب نفسه على تصرفاته أكثر من أن يكون شخصاً عادياً، ولذلك أهل القدوة الحقيقيون لا يكاد يوجد عليهم مقال، [عن مسروق أن امرأة جاءت إلى ابن مسعود ، فقالت: أنبئت أنك تنهى عن الواصلة -التي تصل الشعر- فقال: نعم، فقالت: أشيء تجده في كتاب الله، أم شيء سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقال: أجده في كتاب الله وسمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالت: والله لقد تصفحت ما بين دفتي المصحف، فما وجدت فيه الذي تقول، فقال: فهل وجدت فيه، أي: في القرآن: وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا [الحشر:7]؟ قالت: نعم، قال: فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم: (نهى عن النامصة والواشرة، والواصلة والواشمة، إلا من داء) قالت المرأة: فلعله في بعض نسائك، سمعنا أن زوجتك تفعل شيئاً من هذا، فقال لها: ادخلي البيت وانظري إلى نسائي في البيت، فدخلت، ثم خرجت فلم تجد فيه شيئاً مما ذُكر] أي: من المنكرات في الأعراس، أو في غيره، فإن ذلك قدحٌ في خيره وصلاحه وعلمه، لأنه يجب عليه تغيير ذلك، وإن كان هذا في حق الناس كلهم ممنوعاً في النكاح وغيره، لكن في حق العدل آكد، لأنه إذا حضر شيئاً من هذا وما شاكله، ترتب عليه مفسدتان عظيمتان: إحداهما وهي أشدها: سقوط عدالته، ولا تقبل شهادته، لأن الإنسان إذا جاء إلى منكر وجلس، وجلوسه حرام، فهو مجاهر بجلوسه في المنكر، وجلوسه منكر. والثانية: أنه قدوة، فيقع العوام بسبب تعاطيه ذلك في اعتقاد جوازه في الشرع، فيكون ذلك سبباً للإحداث في الدين. إذاً موقع القدوة مهم، إذا جعلك الله يا أخي قدوةً إماماً أو مدرساً، أو في أي مكان أنت فيه قدوة، حتى لو كنت أباً لأولادك أنت قدوة في البيت، فاحرص كل الحرص أن تعطي القدوة حقها، فلا تفعل منكراً، ولا تأته، ولا تجلس في مكانه، لماذا قيل في الصلاة على المجاهر بالمعصية المصر عليها أن أهل العلم والفضل لا يصلون عليه؟ لو جيء برجل معروف بشرب الخمر، أو مات منتحراً، أو مات بالمخدرات، جيء به إلى شيخ إمام معروف، أو عالم، أو داعية مشهور، فينبغي ألا يصلي عليه، ويقول: صلوا على صاحبكم، لماذا؟ لأنه موقع القدوة.

السلف في موقع القدوة:

نحن أيها الإخوة! ينقصنا قدوات، وينقصنا تحقيق موقع القدوة، قال الليث بن سعد: كنت في المدينة مع الحجاج وهي كثيرة السرجين، أي: الزِّبل من كثرة دواب الحجاج ، فكنت ألبس خفين خفاً على خف، فإذا بلغت باب المسجد، نزعت أحدهما ودخلت، فقال يحيى بن سعيد الأنصاري : لا تفعل هذا، فإنك إمام منظور إليه، يريد لبس خف على خف، على مسألة بسيطة، قال: انتبه يا ليث أنت إمام ينظر إليك. وفي مجلس البخاري رحمه الله رفع إنسان قذاة من لحيته وطرحها في الأرض في المسجد، قال الراوي: فرأيت محمد بن إسماعيل ينظر إليها وإلى الناس، فلما غفل الناس، رأيته مد يده ورفع القذاة من الأرض، فأدخلها في كمه، فلما خرج من المسجد، أخرجها وطرحها في الأرض، فكأنه صان المسجد عما تصان عنه اللحية، فكان أبو عبد الله محط الأنظار، قدوة. ولذلك نقلت القصة، وكان هناك من يراقب ويشاهد، لأن هؤلاء أئمة، والإنسان إذا خالط القدوات يتعلم ويستفيد، ولذلك يقول أبو عبيد القاسم بن سلام رحمه الله: زرت أحمد بن حنبل ، فلما دخلت عليه بيته قام فاعتنقي، وأجلسني في صدر المجلس، فقلت: يا أبا عبد الله أليس يقال صاحب البيت، أو المجلس أحق بصدر بيته، أو مجلسه؟ قال: نعم، نعم هو أحق، لكن يقعد ويقعد من يريد، وأنا أردت أن أوثرك، فأقعدتك. فقلت في نفسي: خذ إليك أبا عبيد فائدة، ثم قلت: يا أبا عبد الله لو كنت آتيك على حق ما تستحق، لأتيتك كل يوم، فقال: لا تقل ذلك، فإن لي إخواناً لا ألقاهم في كل سنة إلا مرة، أنا أوثق في مودتهم ممن ألقى كل يوم، مع أني ما أراهم في السنة إلا مرة لبعد البلدان والانشغالات ونحو ذلك، لكني أحبهم أكثر من بعض الناس الذين أراهم يومياً، ذلك الغائب أحب إلي، قلت: هذه أخرى يا أبا عبيد، أي: لا يلزم أن يكون من لا يرى باستمرار مكروهاً، أو أقل محبة. فلما أردت القيام، قام معي، قلت: لا تفعل يا أبا عبد الله ، قال: قال الشعبي: من تمام زيارة الزائر أن تمشي معه إلى باب الدار، ويؤخذ بركابه، قلت: يا أبا عبد الله من عن الشعبي؟ قال: ابن أبي زائدة عن مجالد عن الشعبي، قلت: يا أبا عبيد هذه الثالثة. نحن يا إخوان! ينقصنا الآن نقصاً حاداً جداً وجود القدوات، وجود القدوات في المدرسين والمدرسات، فهناك مدرس خلف سور المدرسة يدخن والطلاب في الطابور، وأخلاقه شرسة، ومدرسة تقول: الكعب العالي ممنوع يا بنات، واللباس لا بد أن يكون محتشماً، وهي كعب حذائها ارتفاعه كبير، والفتحة في تنورتها طويلة، وهناك أبٌ مقصرٌ في الصلاة ويريد من أولاده أن يصلوا، ويشاهد التلفزيون ويريد من الأولاد الامتناع، كيف سيحدث هذا؟!!

والله أعلم وترقبوا العدد القادم من هذه السلسلة…

محبكم

::: شموخ في زمن الإنكسار :::

الأحد 7/12/1428هـ