بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله والصلاة والسلام على نبينا محمد

فهذا الموضوع الثالث من سلسة ماذا ينقصنا؟

النقص الثالث

وجود الدعاة وأهل العلم

عندنا نقصٌ حادٌ في وجود الدعاة، وأهل العلم، ومفاتيح الخير في الناس، فعن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن من الناس مفاتيح للخير مغاليق للشر، وإن من الناس مفاتيح للشر مغاليق للخير، فطوبى لمن جعل الله مفاتيح الخير على يديه، وويلٌ لمن جعل الله مفاتيح الشر على يديه) رواه ابن ماجة رحمه الله وصححه الألباني نفس الله عنه وشفاه. ) إن من الناس مفاتيح للخير ) المفتاح: آلة فتح الباب المعروفة، والمقصود: أن الله أجرى على أيدي هؤلاء العباد مفاتيح للخير، أجرى على أيديهم فتح أبواب الخير للناس، يفتحون للناس باب علم، أو باب صلاح، أو باب هداية، حتى كأنهم صاروا مفاتيح كأن المفاتيح وضعت في أيديهم، فيقال: هذا جعل الله مفاتيح الخير على يديه. أثنى النبي عليه الصلاة والسلام عليهم قال: (طوبى) طوبى لذلك، فمن الناس من يشتغلون بالخير ويشغلون غيرهم للخير، فيعمل حلقةً، فيأتي أصحابه إليها يستفيدون، أو يعمل مشروعاً خيرياً، فيشترك فيه الناس، فينتفع آخرون، وينتفعون هم، وينتفع هو في الدرجة الأولى، وهكذا يمشي في إصلاح بين الخلق، فيحصل الصلح وترجع المياه إلى مجاريها، ويرجع الوئام ويتصل حبل المودة، وتنصلح أحوال الأسرة، أو أحوال الشركاء المختلفين، فهذا الإنسان من مفاتيح الخير. ونحن في وضعنا الذي نعيش فيه نحتاج حاجةً ماسةً إلى مفاتيح الخير هؤلاء، لو قلّ أهل الخير في المجتمع؛ فإننا على خطر عظيم، روى الإمام أحمد في مسنده عن عبد الله بن بشر ، قال: لقد سمعت حديثاً منذ زمان، يقول: (إذا كنت في قوم عشرين رجلاً، أو أقل، أو أكثر، فتصفحت في وجوههم، فلم تر فيهم رجلاً يُهاب في الله، فاعلم أن الأمر قد رق) إذا صرت في مكان، في شركة، أو مكتب، أو مدرسة، فنظرت في عشرين رجلاً حولك لم تر فيهم واحداً من يُهاب لله، فاعلم أن الأمر قد رق، وأن أمر الدين صار رقيقاً ليس متيناً. ينقصنا دعاة، لأننا في حال بئيس، الناس يعيشون أزمة في العقيدة، وأزمة في الأخلاق، وأزمة علاقات اجتماعية، فيهم شرك، وفيهم بدعة، وفيهم معاصٍ، وفيهم موبقات، وتفكك أسري، وتناحر، وعصبية، وكيد، وسحر، وعين، من كل الجهات، إذا جئت تنظر؛ وجدت شراً كبيراً، ما الذي يصلح الأمر؟ وجود الدعاة إلى الله عز وجل الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر، ونحن نعلم أن مهمة التغيير مهمة شاقة وصعبة. إن عمر بن عبد العزيز رحمه الله لما تولى المهمة العظيمة وشعر بحجم المسئولية، والخلافة تولاها على المسلمين، قال: “إني أعالج أمراً -أكافح وأناضل وأصارع، وأبذل الجهد- لا يعين عليه إلا الله، قد شب عليه الصغير، وهرم عليه الكبير، وهاجر عليه الأعرابي، وفصح عليه الأعجمي حتى حسبه الناس ديناً لا يرون الحق غيره”. تعودوا على منكرات وأخطاء، شبوا عليها ونشئوا حتى صاروا يرونها حقاً، وأنا جئت أريد أن أغير “إني أعالج أمراً لا يعين عليه إلا الله” ابتداءً من الشرك الموجود في عصرنا بين المسلمين الذين يسألون غير الله، ويطلبون من أصحاب القبور قضاء الحوائج. ذهب موحدٌ فاضلٌ إلى أحد شيوخ الصوفية ، فقال له: دعاء غير الله حرام وشرك، إذا سألت فاسأل الله، بدلاً من أن تقول: يا عبد الله وتنادي الميت، قل : يا ألله! قال الله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ [الأعراف:194] قال: يا ابني هذه آية وهابية ما لك فيها!! وذهب أحد الأفاضل إلى شيخ من هؤلاء، فقال له: إن الاستغاثة بالأموات حرام وشرك، والأدلة من القرآن والسنة كذا كذا، فقال ذلك الضال: فقط أنت عندك أدلة، أنا عندي أدلة، قال: وما هو دليلك؟ قال: عمتي تقول: يا شيخ سعد، أي: تنادي الولي سعد تستغيث به، فهذا دليل.

واقع أمتنا المزري:

فإذا ذهبت تنظر يا أخي في واقع الأمة فيما أصابها من الشرك الأكبر فضلاً عن الشرك الأصغر، لوجدت ذلك منتشراً معشعشاً. وإذا نظرت في قضية البدع، لوجدت أموراً لا يحصيها إلا الله. وعلى مستوى التفكك الأسري طلاق، ومهاجرات، وخصومات، وقضايا، وتشرد أولاد، وعدد كبير من حالات الانحراف في الفتيات وفي الأولاد في البيوت المفككة. فلانة أبوها طلق أمها ثم انتقلت إلى بيت جدتها، الرقيب ضعيف، فانحرفت البنت. وأخرى أبوها طلق أمها، ثم عاشت في بيت زوج أمها، لم تجد الرعاية، فانحرفت البنت، وانتقلت إلى بيت خالها، فحصل السوء، وهكذا التفكك يولد الفجور. وعلى مستوى الانحطاط الأخلاقي هناك أفلام وقنوات، وفحش في الأطباق الفضائية وأناس تستأجر شقة مفروشة بخمسين ريالاً في الليلة إلى الصباح ليسهروا على القنوات التافهة التي تأتي بها أجهزة مركبة على الصحون الفضائية، واشتراكات في القنوات ومواقع على شبكة نسيج العنكبوت الإنترنت، ودسكات كمبيوتر متداولة بأيدي المراهقين في المدارس المحملة بالأشياء القذرة حتى في شهر رمضان، والبريد الإلكتروني يرسل الفحش، وأشياء منتشرة كانتشار النار في الهشيم. ما الذي يصلح هذا الحال؟ قيام دعوة إلى الله بقوة لإصلاح الخلق ودعوتهم إلى الله بترقيق قلوبهم، وتذكيرهم ووعظهم. وترى التشبه بالكفار أمراً منتشراً متفشياً قد يصيب البعض باليأس، فقد دخلت داعية من الداعيات إلى مسرح مدرسة لإلقاء كلمة في الطالبات، فهالها وأصابها الإحباط أن كل ما رأت بعينها كان أحمر اللون، الطالبة التي ليست معها وردة حمراء معها شال أحمر، أو قفاز أحمر، أو حقيبة حمراء، أو منديل أحمر، لماذا هذا؟ عيد الحب، انتهت الورود الحمراء من المحلات في ليلة، إنها مصيبة وكارثة، البنات في المتوسطة يقلدنَ الكفار في عيد الحب. إن انتشال هؤلاء وإصلاح الأوضاع بحاجة ماسة إلى دعاة، الوضع يحتاج إلى حركة في الدعوة إلى الله، وإصلاح المجتمع، وإصلاح الخلق، وبذل الجهد في هذا، ما أسهل الهدم! وما أصعب البناء! والإنسان الداعية يأخذ أجر من اتبعه على الهدى الذي يدعو إليه إلى يوم القيامة، ولو تسلسل الناس الذين تعلم كل واحد من الآخر. ثم الداعية من فضله قد ينتج شخصاً أفضل منه، قد يكون داعية يدعو أحد الناس، وهذا الشخص يتفوق على الداعية مستقبلاً في العلم والقدرات والإمكانات ونصرة الدين، ولكن ذلك الأول مع أنه أقل في الإمكانات، لكنه لما أنتج هذا وهذا وهذا، سيكون له شيءٌ عظيمٌ من الأجر. ويقول أبو سليمان الداراني : اختلفت إلى مجلس قاص، واعظ، فأثر كلامه في قلبي، فلما قمت، لم يبق في قلبي منه شيء، فعدت إليه ثانيةً، فأثر كلامه في قلبي بعدما قمت وفكرت، ثم عدت إليه الثالثة، فأثر كلامه في قلبي حتى رجعت إلى منزلي، فكسرت آلات المخالفات، عود، وطنبور، وربابة، ومزمار، وطبل، والآن الشاشات والأفلام. أحد الشباب حضر جنازة عظيمة لامرأة نحسبها من الصالحات، فلما رأى كثرة الناس اتعظ من منظر الجنازة وهو ذاهب إلى المقبرة أخذ أشرطة الغناء من السيارة كلها وألقاها في الشارع. فالإنسان قد يتأثر فعلاً ويتعظ في لحظات، يقول أبو سليمان : أول مرة كان التأثير ضعيفاً، وفي المرة الثانية حصل التأثير في الشارع، وفي المرة الثالثة رجعت إلى منزلي فكسرت آلات المخالفات، ولزمت الطريق المستقيم، فحكيت هذه الحكاية لـيحيى بن معاذ بعد سنين أي عندما صار أبو سليمان رجلاً مشهوراً ومعروفاً بالزهد والورع والعبادة والذكر، قال يحيى : عصفورٌ اصطاد كركياً -يبدو أن الكركي هذا نوع نادر ونفيس من الطيور- فقال: عصفورٌ اصطاد كركياً، أي: يقول: انظر سبحان الله! هذا القاص مثل: العصفور، لكن اصطاد لنا هذا الشخص العظيم. فالداعية له أجر وفضل، فليحرص الدعاة على دعوة الخلق وإنتاج الصالحين؛ لأنهم إذا بثوا في المجتمع، حصل نفعٌ كبيرٌ.

والله أعلم وأحكم…

وترقبوا العدد القادم من هذه السلسة…

  • لاتبخلوا علي بالتعليقات وكذلك الملاحظات…

محبكم

::: شموخ في زمن الإنكسار :::

الأربعاء 17/12